شرهة الأمير

في السنة السابعة والتسعين للهجرة, شدّ خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحال إلى الديار المقدسة..
فلما بلغ المدينة, وحط رحاله فيها , أقبل وجوه الناس وذوو الوجاهة الأقدار للسلام عليه والترحيب به..
ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من إستقبال المرحبين به, قال لبعض جلسائه:
إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة ,
ويجلو عنها صدأها.
قالوا: نعم يا أمير المؤمنين.
فقال: أمَا في المدينة رجل أدرك طائفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
يذكرنا ؟.
فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين…
ها هنا أبو حازم الأعرج.
فقال: ومن أبو حازم الأعرج ؟.
فقالوا:
سلمة بن دينار عالم المدينة وإمامها, وأحد التابعين الذين أدركوا عدداً من الصحابة الكرام.
فقال: أُدعوه لنا, وتلطّفوا في دعوته.
فذهبوا إليه ودعوه.
فلما أتاه.. رحّب به وأدنى مجلسه وقال له معاتبا:
ما هذا الجفاء يا أبا حازم ؟.
فقال:
وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟.
فقال: زارني وجوه الناس ولم تزرني ..!!
فقال:
إنما يكون الجفاء بعد المعرفة
وأنت ما عرفتني قبل اليوم , ولا أنا رأيتك, فأي جفاء وقع مني ؟.
فقال الخليفة لجُلسائه: أصاب الشيخ في اعتذاره , وأخطأ الخليفة في عَتبه عليه..!
ثم التفت إلى أبي حازم وقال:
إن في النفس شؤوناً أحببت أن أفضي بها إليك يا أبا حازم .
فقال:
هاتها – يا أمير المؤمنين – والله المستعان..
فقال الخليفة: يا أبا حازم, ما لنا نكره الموت ..؟!.
فقال:
لأننا عمّرنا دنيانا, وخرّبنا آخرتنا…
فنكره الخروج من العمار إلى الخراب
.
فقال الخليفة: صدقت… ثم أردف قائلاً:
يا أبا حازم – ليت شعري – ما لنا عند الله غداً ؟.
فقال: أ
عرض عملك على كتاب الله عز وجل تجد ذلك.
قال: وأين أجده في كتاب الله تعالى ؟.
قال:
تجده في قوله – علت كلمته -:
(
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).الإنفطار13-14
فقال الخليفة: إذن فأين رحمة الله؟.
فقال أبو حازم: (
إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )الاعراف56
فقال الخليفة: ليت شعري, كيف القدوم على الله جل وعزّ غداً ؟.
فقال أبو حازم:
أما المحسن, فكالغائب يقدم على أهله
وأما المسيء, فكالعبد الهارب يُساق إلى مولاه سوْقاً.
فبكى الخليفة حتى علا نحبيه, واشتد بكاؤه.
ثم قال: يا أبا حازم, كيف لنا أن نُصلَح؟.
فقال:
تدعون عنكم التكبّر, وتتحلون بالمروءة..
فقال الخليفة: وهذا المال, ما السبيل إلى تقوى الله فيه ؟.
فقال أبو حازم:
إذا أخذتموه بحقه…
ووضعتموه في أهله…
وقسمتموه بالسّوية…
وعدلتم فيه بين الرعيّة
.
فقال الخليفة: يا أبا حازم, أخبرني من أفضل الناس ؟.
فقال:
أولو المروءة والتقى.
فقال الخليفة: وما أعدل القول يا أبا حازم ؟.
فقال:
كلمة حقٍ يقولها المرء عند من يخافه , وعند من يرجوه.
فقال الخليفة: فما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم ؟.
فقال:
دعاء المحسن للمحسنين.
فقال الخليفة: وما أفضل الصدقة ؟.
فقال:
جُهد المُقلّ يضعه في يد البائس الفقير من غير أن يتبعه مناً ولا أذى.
فقال الخليفة: من أكيس الناس يا أبا حازم ؟.
فقال:
رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها, ثم دلّ الناس عليها.
فقال الخليفة: فمن أحمق الناس ؟.
فقال:
رجلٌ أنساق مع هوى صاحبه , وصاحبه ظالم , فباع آخرته بدنيا غيره.
فقال الخليفة: هل لك أن تصحَبنا – يا أبا حازم – فتُصيب منا ونُصيب منك ؟.
فقال:
كلا يا أمير المؤمنين.
فقال الخليفة: ولمَ ؟!.
فقال:
أخشى أن أركن إليكم قليلاً , فيذيقني الله ضَعف الحياة وضَعف الممات.
فقال الخليفة: أرفع إلينا حاجتك يا أبا حازم.
فسكت ولم يجب …
فأعاد عليه قوله: أرفع إلينا حاجتك يا أبا حازم ، نَقضِها لك مهما كانت..!
فقال:
حاجتي أن تنقذني من النار, وتدخلني الجنة
فقال الخليفة: ذلك ليس من شأني يا أبا حازم ..!
فقال أبو حازم:
ما لي من حاجة سواها يا أمير المؤمنين .
فقال الخليفة: أُدع لي يا أبا حازم.
فقال:
اللهم إن كان عبدك سليمان من أوليائك , فيسره إلى خيْري الدنيا والآخرة ،
وإن كان من أعدائك , فأصلحه واهده إلى ما تحب وترضى “
.
فقال رجل من الحاضرين:
بئس ما قلت منذ دخلت على أمير المؤمنين ..
فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله وآذيته.
فقال أبو حازم:
بل بئس ما قلت أنت , فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق, فقال تعالى:

( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ )
ثم التفت إلى الخليفة وقال:
يا أمير المؤمنين , إن الذين مَضوا قبلنا من الأمم الخالية ظلوا في خير وعافية ما دام أمراؤهم يأتون علماءهم

رغبةً فيما عندهم ..!
ثم وُجد قوم من أراذل الناس تعلّموا العلم وأتَوا به الأمراء, يريدون أن ينالوا به شيئاً من عرَض الدنيا ..!
فاستغنت الأمراء عن العلماء
..
فتعِسوا ونُكسوا, وسقطوا من عين الله عز وجل ..!
ولو أن العلماء زهدوا فيما عند الأمراء , لرغب الأمراء في علمهم

ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء , فزهدوا فيهم
وهانوا عليهم .
فقال الخليفة: صدقت يا أبا حازم …
زِدني من موعظتك يا أبا حازم, فما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فمه منك.
فقال:
إن كنت من أهل الاستجابة , فقد قلت لك ما فيه الكفاية
وإن لم تكن من أهلها , فما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر
فقال الخليفة: عزمت عليك أن توصيني يا أبا حازم.
فقال:
نعم .. سوف أوصيك وأوجز
عظّم ربك عزّ وجل ونزهه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك ..!
ثم سلّم وانصرف.
فقال له الخليفة: جزاك الله خيراً من عالمٍ ناصح.
ما كاد أبو حازم يبلغ بيته , حتى وجد أن أمير المؤمنين قد بعث إليه بصرّة مُلئت دنانير, وكتب إليه يقول:
أنفقها , ولك مثلها كثير عندي.
فردّها وكتب إليه يقول:
يا أمير المؤمنين, أعوذ بالله أن يكون سؤالك إيّاي هزلاً, وردّي عليك باطلاً.
فوالله ما أرضى ذلك – يا أمير المؤمنين – لك

فكيف أرضاه لنفسي ..؟!.
يا أمير المؤمنين, إن كانت هذه الدنانير لقاء حديثي الذي حدثتك به , فالميتة ولحم الخنزير في حال الإضطرار أحلّ منها ،
وإن كانت حقاً لي في بيت مال المسلمين , فهل سوّيت بيني وبين الناس جميعاً في هذا الحق ..؟!.

 

 

Write Comment